الأحد، 19 يونيو 2016

قصة بعنوان عائد ،،بقلم حسن عامر ابو قادوس

وها هي القصة التي وعدتكم بها ... تفضلوا .. قراءة شيقة أتمناها لكم : قصة ... عائد ...
.....
بسم الله الرحمن الرحيم
قصة قصيرة بعنوان :
عائـــد
أمعن النظر طويلاً ثم توقف يتردد لسانه بينه وبين نفسه , وفرحةٌ غامرةٌ تغني في قلبه " في مثل هذا اليوم كنا على شاطئ البحر " ..
آه .. كم أشعر ُ بالأرق , والرقادُ ينادي تلك العيونَ الدامعةَ فرحاً , صاح في الجميع ... سأذهب إلى النوم وغداً أراكم على خير .
في اليوم التالي .. طرقات الباب تدوّي في أذني
- وصل .. هل حقا وصل ؟!!
- نعم .. وها هو الآن يجلسُ في حاكورة المنزل
- كيف حالك يا رواد ؟
- من ؟! سراج .. أحقاً ما أرى ؟!
- كيف حالك يا أخي ؟
دار الحوار يوماً كاملاً تحدثا فيه عن الدراسة , الجامعة .. , ثم عن انضمام سراج لصفوف المقاومة .
اسمع يا رواد هذه الكلمات , لقد قرأتها منذ أيام وسجلتها في مفكرتي :
" شلال الدم , ينبع من نهرٍ جارٍ , له مصبٌ وله بداية .. يجري لا يكاد ينقطع .. وينبوعه يتفجّر من شغاف الأفئدة .. تلك التي تعشقُ الأرض أنّى نكون .. ومصبه هناك على ثرى فلسطين يروي مدنَها قوافلُ الشهداء .. وآيات الأنفال .. وحبُّ الوطن "
- إيه .. ما هذه النثرية الملطخة بالدماء يا سراج ؟ لكن قل لي كيف كانت والدتُك هي سبب انتمائك لحركة المقاومة ؟؟
- رشقة من كأس الشاي الثقيل البنّيّ ولكنه يميل إلى السواد .. وإطراقةٌ بعيدة سرح في مطباتها ثم أردف قائلا :
" كنا ذات يوم ٍ نتناول الطعام .. وقد عدْتُ من الجامعة لتوي .. ثمّ سمعنا صوتَ انفجارٍ قرب المطعم , وانهال الرصاص كالمطر .. أمر طبيعي , كنّا نراهُ في غزةَ كل يومٍ كما تعلم .. وبينما كنّا نتبادلُ استفهاماتٍ مفرغةٍ من دلالاتها .. قَفَزَ شابٌ من فوق الحائط .. تفاجأنا ثم أسرعنا إليه وهو يردد : " ها هم ورائي .. ها هم ورائي " ..
ولا أعلم وقتها كيف أصبحت امي سيدةَ الحدث ..
أدخلناه إلى غرفة آمنة , ثمّ خرجنا في ذات الوقت الذي كان العدوُّ فيه خلف باب المنزل يحطّمُ ويقتحمُ كان القيامةَ وقعت . .
- أين الإرهابي ؟؟ .. أين الإرهابي ؟؟ ... رأيناه يقفزُ إلى هذا المنزل ..
وكانت المفاجأة التي برقت لها الأبصار أنْ قالت له والدتي وهي تشير بعكازها إليَّ : هذا هو ...
ويبدو أن انفعالها هذا ناجمٌ عن حبها للمقاومة وحرصها على التحرير وهذا أملها وجميع الأمهات في أرض فلسطين , ثم انفعالي انا بصورة لم أكن اتوقعها .. فاقتادوني دون أي إبطاء .. ولم يفتشوا البيت أو يلتفتوا إلى أي شيء ثان .
هتف روادُ صارخاً :
- سراج .. هو أنت إذن .. ؟!
- أنا .. ماذا ؟
- انت بطل القصة التي كتبت عنها المجلات ُ والصحف .. لقد قرأتُ يومئذٍ أن أمّا قدّمت ابنها للعدوِّ في غزة عوضاً عن الفدائي الحقيقي .
- آهٍ يا صديقي .. لو أنّ بطولاتِ شعبِنا الفريدة وجدت من يدونها ويحفظها في محطات التاريخ .. المهم ذلك أنا هو كما قلت لك .
ذهبنا بعد سويعات نتجوّل في حواري المدينة ونسترجعُ الزمنَ الجميلَ المليء َ بالمطبات أشبه بالمغامرات .. أيامٌ جميلةٌ تلك .
ووصل بنا المسير إلى أحد المطاعم المجاورة لحاكورة منزلنا وهو مطعم الحاج " أبو أيمن " ..
- سراج .. ما بك تتردد في الدخول هيا بنا يا صديقي نأكل فأنا أصرخ جوعاً .. هيا تعال .
- لا لا شيء ولكني سأسافر غداً .
- غداً .. إن عشنا .. فلنتاول الغداء معاً ثمّ نتفق على موعدٍ حين تعود .
- حسنا .
وأثناء حديثهما داخل المطعم .. تحدث سراج عن البطولات التي حدثت في العدوان الأخير على غزة .. حين قام سراج بقنص جندي إسرائيلي وقعَ صريعاً على الأرض .
- يا لها من أيامٍ يا رواد نستذكر فيها حديث الشهداء ومن سبقنا ..
دفعَ رواد ُ فاتورةَ الحساب وأراد أن يعانقَ سراج فلا بدَّ للوداع قبل السفر ..
فجأة .. وبلمح البصر .. وقع شيءٌ على الأرض وعلى الفور ألقى سراج بنفسه فوقه .. دوى انفجارٌ شديد .. تكسّرت الأوعية .. تطاير المكان .. واهتزت الأرجاء .. وارتفع الصراخ .. وعلاقةٌ عكسية بين الداخل والخارج ..
قنبلة .. قنبلة .. انفجارٌ في المطعم .. جمهورٌ يحاولُ أن يعرفَ ما الخبر .. سيارات الإسعاف تدوّي في المكان .. أبواق سيارات الإطفاء تزغرد آتيةً من بعيد ..
تقلقلت الأقوال .. وتعددت القصص .. واستطردت الألسن عشرات الروايات ..
بعد هدأةِ الضجيج , وصمت التساؤلات , وقف روادُ مندهشاً من أثر الصدمة .. يرد على استفهاماتٍ بوجهٍ غريب الأطوار .. خلت من القدرة على التعبير .. بعينين شاخصتين .. جفّت منهما العبرات .. قائلا : أن سراج ألقى بجسده فوق القنبلة حال سقوطها من حزامه .. وتمزّق ذلك الجسدُ الفدائي حتى لا يصيب من في المطعم بما فيهم الأطفال ..
قال لهم : آخر ما قاله وهو يلفظ أنفاسه :
" من أجل الأعداء حملتها .. من أجل أحفاد القردة حملتها .. ومن أجل أن ألقيَ بها في مهاوي الردى .. ولأجل الدفاع عن أرض جدي حملتها يا رواد .. حرام أن تقتلَ أطفال بلادي .. ثم أردف بصره إلى الأعلى كأن سحابةً بيضاءً اعجبه منظرها قائلاُ : رواد .. أنا عائد غدا ً "
........................................................................
بقلم : حسن عامر أبو قادوس

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق