قصة قصيرة
ــــــ
اِنتهى بي المطافُ وأنا أتسكَّعُ بين حانات باريس أنِ التقيتُ بِ( إيلينا).كانت تكبرني ببضع سنوات لكن جوَّ الحانات والثمالة كانا يجعلانك تعتقدُ أنها في العشرين من عمرها.ولا أستطيعُ أن أجزم هل كانت جميلة أم ذميمة لأني لم أكن أكترثُ إلا لحديثها الشيق والصادق.
بصراحة،لقد أنفقتُ أكثر من سبع سنوات أتنقل بين الحانات أتسولُ كؤوس الخمر التي لم يكن يرفضها لي إلا نفر قليل من الفرنسيين.لم يكن يهمني أنني نموذج سيء عن وطني لأنه لم يفعل لي شيئاً ولفظني بقسوة حتى أُجْبرتُ على ركوب البحر والمجازفة بروحي لبلوغ بلاد الحرية والمساواة.
اليوم،أحمد الله أني التقيتُ بإيلينا التي ساعدتني على تخطِّي كل المشاكل المادية والنفسية.لقد عدُت بعد زواجي منها للوطن في حلَّةٍ جديدة؛والكثير من أقاربي أخذوا يحسدونني على وضعيتي الجديدة.
ومرَّ شهرٌ على عودتي الأخيرة للوطن؛وكانت الأيام تمرُّ هادئة ومتناغمة إلى أن حدث ما لم يكن في الحسبان.
فقبل ثلاثة أيام،دُعيتُ أنا وزوجتي لحضور حفل زفاف أحد أبناء عمي.وعند بلوغنا في المساء،تفاجأتُ بوجود شخصٍ كنتُ قد لاقيته مراتٍ عديدة بحانات باريس.كنتُ أعرف أنه مغربي لكنني كنتُ أتجاهله لأننا كنا نقوم بنفس السلوك هناك.
وما أن رآني حتى دنا منِّي وحيَّاني بلطف،ثم أخذ يحدثني عن الأيام الخوالي بالمهجر وأنا أنصتُ له بضيق واشمئزاز.وفي سياق حديثه،قال:
ـ يظهر من محياك أنك سعيدٌ مع إيلينا...
فقفزتُ في مكاني ونظرتُ إليه بدهشة وقلتُ:
ـ هل سبق لك أن واعدتها؟
فقال بعد أن خَلَدَ للصمتِ برهةً طويلة:
ـ لن أكذِبَ عليك...نعم...هل تزوجت بها؟
فحرَّكتُ رأسي بالإيجاب.فأضاف:
ـ وهل طلبتْ منك أن تفعل شيئا لتُنقدك من البؤس؟
فقلتُ:
ـ لا.
فأردف:
ـ سيأتي ذلك اليوم...( ثم أشار بيده إلى العروسة وقال)...هل ترى تلك آلفتاة السعيدة؟...إنها ثمرة زواجي من إيلينا...
ثم سكتَ.فاستدرتُ نحوه وقد ألمَّ بي ضيقٌ شديد،وقلتُ:
ـ بربِّك!...ماذا ستطلبُ مني إيلينا أن أفعل؟...
فابتسم وقال:
ـ ستطلبُ منك أن تُنكر دينك...ولقد علمتُ من بعد طلاقي منها أنها عضوٌ في أحد المنظمات التبشيرية اليهودية...فمثلها كثيرات...
....................................................................................
لم يتبقَّ لي إلا الليلة للعودة لباريس ومتابعة حياتي.فقد حجزت تذاكر الإياب بالأمس.ومنذُ ليلة الزفاف وأنا أقضي الليل مُسهدا أفكِّرُ في هذا الكمين الذي وقعت فيه.وقد لاحظتُ أن إيلينا في تلك الليلة كانت ترمُقُني بنظرات مستفزة وصارمة كأنها تُحاول سبر أعماقي.فهي من المؤكد لم تنسَ زوجها السابق وإبنتها العروس؛وتبيَّن لي من سلوكها بعد تلك الليلة أنها تعرفُ أني قد كشفتُ أمرها.
..................................................................................
قمتُ هذا الصباح من النوم،فلاحظتُ أن إيلينا غير موجودة بالفراش.فدلفتُ إلى المطبخ أبحث عنها غير أني لم أجدها؛فجذب انتباهي ورقة معلقة فوق الفرن ومدونة باللغة الفرنسية وبحروف بارزة.فسحبتها وقرأتُ التالي:
'' لقد غادرتُ للمطار.
أرجو أن لا تلحق بي حتى تكون مستعدا ''...زوجتك الوفية إيلينا.
...................................................................................
واليوم،وقد مرَّتْ شهور على مغادرتها،ما أزال بين المطرقة والسندان.
ماذا أنتظر؟...
أنا أنتظر فقط أن ينتهي شهر رمضان لأعود للتسكع في الحانات ونسيان إيلينا.لكن هذه المرة سأتسكع بمالي الخاص ولن أتسول أحدا.
غير أن ما يُخيفني هو أن أعود للفقر مرة ثانية.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الكاتب والشاعر المغربي مصطفى بلقائد.
ــــــ
اِنتهى بي المطافُ وأنا أتسكَّعُ بين حانات باريس أنِ التقيتُ بِ( إيلينا).كانت تكبرني ببضع سنوات لكن جوَّ الحانات والثمالة كانا يجعلانك تعتقدُ أنها في العشرين من عمرها.ولا أستطيعُ أن أجزم هل كانت جميلة أم ذميمة لأني لم أكن أكترثُ إلا لحديثها الشيق والصادق.
بصراحة،لقد أنفقتُ أكثر من سبع سنوات أتنقل بين الحانات أتسولُ كؤوس الخمر التي لم يكن يرفضها لي إلا نفر قليل من الفرنسيين.لم يكن يهمني أنني نموذج سيء عن وطني لأنه لم يفعل لي شيئاً ولفظني بقسوة حتى أُجْبرتُ على ركوب البحر والمجازفة بروحي لبلوغ بلاد الحرية والمساواة.
اليوم،أحمد الله أني التقيتُ بإيلينا التي ساعدتني على تخطِّي كل المشاكل المادية والنفسية.لقد عدُت بعد زواجي منها للوطن في حلَّةٍ جديدة؛والكثير من أقاربي أخذوا يحسدونني على وضعيتي الجديدة.
ومرَّ شهرٌ على عودتي الأخيرة للوطن؛وكانت الأيام تمرُّ هادئة ومتناغمة إلى أن حدث ما لم يكن في الحسبان.
فقبل ثلاثة أيام،دُعيتُ أنا وزوجتي لحضور حفل زفاف أحد أبناء عمي.وعند بلوغنا في المساء،تفاجأتُ بوجود شخصٍ كنتُ قد لاقيته مراتٍ عديدة بحانات باريس.كنتُ أعرف أنه مغربي لكنني كنتُ أتجاهله لأننا كنا نقوم بنفس السلوك هناك.
وما أن رآني حتى دنا منِّي وحيَّاني بلطف،ثم أخذ يحدثني عن الأيام الخوالي بالمهجر وأنا أنصتُ له بضيق واشمئزاز.وفي سياق حديثه،قال:
ـ يظهر من محياك أنك سعيدٌ مع إيلينا...
فقفزتُ في مكاني ونظرتُ إليه بدهشة وقلتُ:
ـ هل سبق لك أن واعدتها؟
فقال بعد أن خَلَدَ للصمتِ برهةً طويلة:
ـ لن أكذِبَ عليك...نعم...هل تزوجت بها؟
فحرَّكتُ رأسي بالإيجاب.فأضاف:
ـ وهل طلبتْ منك أن تفعل شيئا لتُنقدك من البؤس؟
فقلتُ:
ـ لا.
فأردف:
ـ سيأتي ذلك اليوم...( ثم أشار بيده إلى العروسة وقال)...هل ترى تلك آلفتاة السعيدة؟...إنها ثمرة زواجي من إيلينا...
ثم سكتَ.فاستدرتُ نحوه وقد ألمَّ بي ضيقٌ شديد،وقلتُ:
ـ بربِّك!...ماذا ستطلبُ مني إيلينا أن أفعل؟...
فابتسم وقال:
ـ ستطلبُ منك أن تُنكر دينك...ولقد علمتُ من بعد طلاقي منها أنها عضوٌ في أحد المنظمات التبشيرية اليهودية...فمثلها كثيرات...
....................................................................................
لم يتبقَّ لي إلا الليلة للعودة لباريس ومتابعة حياتي.فقد حجزت تذاكر الإياب بالأمس.ومنذُ ليلة الزفاف وأنا أقضي الليل مُسهدا أفكِّرُ في هذا الكمين الذي وقعت فيه.وقد لاحظتُ أن إيلينا في تلك الليلة كانت ترمُقُني بنظرات مستفزة وصارمة كأنها تُحاول سبر أعماقي.فهي من المؤكد لم تنسَ زوجها السابق وإبنتها العروس؛وتبيَّن لي من سلوكها بعد تلك الليلة أنها تعرفُ أني قد كشفتُ أمرها.
..................................................................................
قمتُ هذا الصباح من النوم،فلاحظتُ أن إيلينا غير موجودة بالفراش.فدلفتُ إلى المطبخ أبحث عنها غير أني لم أجدها؛فجذب انتباهي ورقة معلقة فوق الفرن ومدونة باللغة الفرنسية وبحروف بارزة.فسحبتها وقرأتُ التالي:
'' لقد غادرتُ للمطار.
أرجو أن لا تلحق بي حتى تكون مستعدا ''...زوجتك الوفية إيلينا.
...................................................................................
واليوم،وقد مرَّتْ شهور على مغادرتها،ما أزال بين المطرقة والسندان.
ماذا أنتظر؟...
أنا أنتظر فقط أن ينتهي شهر رمضان لأعود للتسكع في الحانات ونسيان إيلينا.لكن هذه المرة سأتسكع بمالي الخاص ولن أتسول أحدا.
غير أن ما يُخيفني هو أن أعود للفقر مرة ثانية.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الكاتب والشاعر المغربي مصطفى بلقائد.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق